محمد أبو زهرة
1990
زهرة التفاسير
ما يتهافت فيه الذين حرموا عطف الأب وحنان الأم ، ولم يتجه إلى ما يتجه إليه الغلمان في حياته الأولى ، بل كان الجد يغلبه ، حتى لقد قال فيه جده وهو لم يبلغ الثامنة من عمره : ( إن ولدى هذا سيكون له شأن ) ، لما رآه من مخايل الذكاء والجد ، والعزوف صغيرا عن المعابث ، ولما بلغ سن الشباب بدا فيه الكمال وظهر واضحا في كل حياته ، فلم يكذب قط ، ولم يخن قط ، ولم يقع منه ما يقع من الشباب من مجون ، ولم يشرب خمرا أبدا مع شيوعها في الجاهلية ، والتفاخر بها ، ولم يلعب الميسر مع الانغمار فيه ، ولم يرتكب ما يخل بالمروءة ، ولم يسجد لصنم ، بل تاجر ، ولم يكن إلا أمينا في تجارته كما كان أمينا في عامة شؤونه ، حتى لقد لقب في العرب بلقب الأمين ، فكان إذا ذكر هذا اللفظ لا يطلق إلا إليه ، كما يحمل الكل ، ويحمى الضعيف ، ويعين على نوائب الدهر ، كما وصفته زوجه أم المؤمنين خديجة ، ولما بعثه الله تعالى رحمة للعالمين ، كان أوضح ما يوصف به الخلق العظيم ، والعطف الكريم ، والجزم في الدعوة إلى الحق من غير وناء ، ولا كسل ، إذا سالم كان الوفي في عهده ، وإذا حارب كان العدل في حربه ، وإذا خاصم كان الشريف في خصومته ، وإذا تكلم كان العف في قوله ، وإذا عامل كان السمح في معاملته ، وإذا خطب كان كلامه فصل الخطاب ، أوتى جوامع الكلم ، كلامه حكم ، وعمله سلم ، وشرعه صلاح للناس في الدنيا والآخرة . وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم له ذلك السمو ، فشخصه برهان الصدق ، ودليل الحق ، وكثيرا ما كان يراه الرائي ، فيسمع قوله ، فيحكم بصدقه من غير أن يطلب دليلا من غير شخصه الكريم . رآه أعرابي فاسترعاه منظره الكريم ، فقال : من أنت ؟ . قال الرسول الكريم : أنا محمد . فقال الأعرابي الذي يتكلم بما يسمع : « أنت الذي تقول فيك قريش أنك كذاب ، لا ، ليس هذا الوجه وجه كذاب » « 1 » . ثم آمن به بعد أن علم ما يدعو إليه .
--> ( 1 ) نقل الآلوسي هذه الرواية عن الفتوحات المكية باب ( 172 ، 277 ) . روى نحو هذا عن عبد الله بن سلام في مصنف ابن أبي شيبة ، ومسند الشهاب للقضاعي .